فصل: باب الجزية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح السير الكبير **


  باب العشور من أهل الحرب

روى محمد - رحمه الله تعالى - بإسناده عن أبي صخرة المحاربي عن زياد بن جرير قال‏:‏ بعثه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - مصدقاً إلى عين النمر وأمره بأن يأخذ من المصلين يعني من المسلمين من أموالهم ربع العشر ومن أموال أهل الذمة إذا اختلفوا بها للتجارة نصف العشر ومن أموال أهل الحرب العشر اعلم أنا اتبعنا الأثر في هذا فقلنا يأخذ العاشر من المسلم الذي مر عليه ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر لأن عمر - رضي الله تعالى عنه - هكذا أمر عاشره بأخذ العشر وكان ذلك بمشهد من المهاجرين والأنصار ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع يدل عليه أنه روي في حديث آخر عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه بعث أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - مصدقاً في العشور فقال أنس ابن مالك - رضي الله تعالى عنه -‏:‏ يا أمير المؤمنين تقلدني المكس من عملك فقال له عمر - رضي الله تعالى عنه - قد قلدتك ما قلدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلدني أمور العشور أمرني أن آخذ من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر كله فقد روي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعلينا اتباعه واعلم أن العاشر هو الذي أقامه عمر - رضي الله تعالى عنه - على الدرب الذي كان بين المسلمين والكفار وأمره أن يأخذه من كل من يمر عليه بماله ولم يؤد زكاته وجعل نفقته منه فإنما سماه عشراً لأن ما يؤخذ منهم مداره على العشر وإنما أثبت عمر - رضي الله تعالى عنه - حق الأخذ للعاشر لأن هذا المال في حماية الإمام ورعايته لأن أمن الطريق بالإمام فصار هذا المال مآمناً برعاية الإمام وحمايته فأثبت حق الأخذ للإمام كالسوائم التي تكون في المفاوز كان أخذ زكاتها إلى الإمام لما أنها في حماية الإمام ورعايته فكذلك ها هنا وإنما أمر عمر - رضي الله تعالى عنه - بأخذ ربع العشر من المسلمين لأن المأخوذ منهم زكاة على ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ليس في المال حق سوى الزكاة والزكاة لما تبين ربع العشر فأما الذمي فإنما أمر بأخذ نصف العشر منه وذلك لأن هذا حق يؤخذ من المسلم ويؤخذ من الكافر فوجب أن يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم كما في النصراني من بني تغلب فإنه يؤخذ منه الصدقة المضاعفة وأما الحرب فإنما أمر بأخذ العشر منه لأنهم يأخذون منا العشر فأمر بأخذ العشر منهم إذ الأمر بيننا وبين الكفار مبني على المجازاة حتى أنهم إن كانوا يأخذون منا الخمس أخذنا منهم الخمس وإن كانوا يأخذون منا نصف العشر أخذنا منهم نصف العشر وإن كانوا لا يأخذون منا شيئاً فنحن لا نأخذ منهم شيئاً الدليل عليه ما روي أن عاشر عمر - رضي الله عنه - كتب إلى عمر - رضي الله عنه -‏:‏ كم نأخذ من تجار أهل الحرب فقال‏:‏ كم يأخذون منا فقال‏:‏ هم يأخذون منا العشر فقال‏:‏ خذ منهم العشر فقد جعل الأمر بيننا وبينهم مبنياً على المجازاة وإن كنا لا نعلم كم يأخذون منا أو لا نعلم أياخذون منا أو لا يأخذون أخذنا منهم العشر أيضاً فإنه روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال لعشاره‏:‏ خذوا منهم ما يأخذون منا فإن أعياكم ذلك فخذوا منهم العشر والمعنى في ذلك‏:‏ وهو أن الحربي ينزل من الذمي منزلة الذمي من المسلم لأن شهادة الحربي عليه لا تقبل عليه وتقبل شهادة الذمي على الحربي كما أنه لا تقبل شهادة الذمي على المسلمين وتقبل شهادة المسلمين على الذمي ثم الذمي يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم فكذلك الحربي يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من الذمي ويؤخذ من الذمي نصف العشر فيؤخذ من الحربي ضعف ذلك وهوالعشر قال محمد - رحمه الله تعالى -‏:‏ عن جرير بن حازم قال‏:‏ سمعت أنس بن سيرين يقول‏:‏ أراد أنس بن مالك أن يستعملني على الأبلة فقلت‏:‏ تقلدني على المكس من علملك فقال‏:‏ أما ترضى من أمر الناس ما أمرني به عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - من أمور الناس فقال‏:‏ استعملني عمر - رضي الله تعالى عنه - فأمرني أن آخذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً ومن أهل العهد من كل عشرين درهماً درهماً ومن أهل الحرب من كل عشرة دراهم درهماً اعلم بأن المكس هو فعل العاشر والمكاس هوالعاشر وإنما سمي مكاساً لأنه ينقص أموال الناس بأخذ العشور منهم وهو مشتق من المماكسة والمكاس لا يأخذ من أحد منهم شيئاً من ذلك حتى يبلغ المال مائتي درهم ما يجب فيه الزكاة على المسلم أما المسلم فلا يؤخذ منه من أقل منه من أقل من مائتي درهم لأن المأخوذ منه وزكاة على ما قلنا ولا زكاة في أقل من مائتي درهم وأما الذميّ فكذلك لأن المأخوذ منه كان باسم الزكاة وإن لم يكن زكاة في الحقيقة فوجب أن يكون من شرطه النصاب‏.‏

دليله أخذ الصدقة من نسارى بني تغلب فإنه لا يؤخذ الصدقة من مالهم إلا أن يكون النصاب كاملاً فكذلك ها هنا وأما الحربي فإنما لا يؤخذ منهم من أقل من مائتي درهم لأنهم لا يأخذون من تجار المسلمين من القليل فكذلك لا نأخذ منهم حتى أنهم إن كانوا يأخذون من تجارنا من قليل المال وكثيره فكذلك نأخذ منهم من قليل وكثيره والله الموفق‏.‏

  باب الجزية

عن إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى - قال‏:‏ إذا أسلم الرجل وأقام بأرضه فعليه الخراج وإذا لم يقم فليس عليه خراج أعلم بأنه إن كان بهذا الخراج الرأس فلسنا نقول به بل المذهب عندنا أن الكافر إذا أسلم وهو من دار الموادعة فإن خراج الرأس يسقط عنه سواء أقام بأرضه أو هاجر إلينا وقال بعض العلماء‏:‏ بأن الخراج لا يسقط عنه وإن أسلم ما لم يهاجر إلينا وإن كان أراد به خراج الأرض فقد قلنا به فإنه إذا أسلم فأمسلم أرضه فإنه يؤدي عنها الخراج ولا يؤخذ منها العشر وإنما يؤخذ العشر إذا أسلم أهل بلده طوعاً وعند بعض الناس يؤدي العشر ولا يؤدي الخراج وإن خرج إلى دار الإسلام وترك أرضه لا يؤخذ منه شيء وعن عمر بن عبد العزيز أن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال‏:‏ لم تفتح قرية بالمغرب على صلح إلا ثلاث قرى‏:‏ الأسكندرية وكفرطيس وفلسطين وسلطاس وكان من أسلم من غير هذه الثلاث قرى أخذ ماله وخلي سبيله ومن أسلم من هذه الثلاث قرى خلي سبيله وماله له اعلم بأنا لا نأخذ بهذا الحديث بل نقول‏:‏ كل من أسلم من أهل الذمة لا يؤخذ منه ماله ويترك في أرضه يؤدي عنها الخراج سواء أخذت القرية عنوة أو صلحاً فإن دهقانة نهر الملك أسلمت على عهد عمر - رضي الله تعالى عنه - فكتب في ذلك سعد وعمار إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهم - فكتب إليه عمر - رضي الله تعالى عنه -‏:‏ أن ادفع إليها أرضها فتؤدي عنها الخراج وسواد الكوفة إنما أخذ عنوة نهر الملك وغيره والله الموفق‏.‏

  باب عشور أهل الحرب والمسلمين وأهل الذمة

قال محمد - رحمه الله تعالى -‏:‏ قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -‏:‏ إذا مر الحربي المستأمن على عاشر المسلمين بمال يبلغ مائتي درهم فصاعداً أو بشيء قيمته ذلك أخذ منه عشر ما مر به لما روينا من الأثر فإن قال‏:‏ علي دين أو قال‏:‏ ليس هذا المال لي لم يصدق وأخذ منه العشر لأن الأمر بيننا وبينهم على المجازاة وهم لا يصدقون تجارنا في مثل هذا فنحن لا نصدق تجارهم بخلاف الذمي إذا مر على العاشر بمال وقال‏:‏ ليس لي أو قال‏:‏ علي دين لم يؤخذ منه شيء لأن الأمر بيننا وبينهم ليس على المجازاة ولكنه على حكم الشرع والإسلام ومن حكم الإسلام أن المسلم يصدق لما أنه ينكر وجوب الحق في ماله فكذلك الذي يصدق وكذلك إذا مر به مكاتب أو عبد بمال أخذ منه العشر لأنهم يأخذون من عبيدنا ومكاتبينا فنحن نأخذ من عبيدهم ومكاتبيهم فإن كانوا لا يأخذون من عبيدنا ومكاتبينا فلا نأخذ أيضاً من عبيدهم ومكاتبيهم وإن كانوا يأخذون من عبيدنا أو مكاتبينا نأخذ منهم أيضاً لأنه إنما يؤخذ لحفظ الطريق والمكاتب يحتاج إلىحفظ الطريق كالحر سواء ولأن المولى قد رضي بأخذ العشر من عبده حيث بعثه إلينا للتجارة وإذا مر الحربي على العاشر برقيق فقال‏:‏ هؤلاء أحرار أو مر بجوار فقال‏:‏ هؤلاء أمهات أولادي صدق في ذلك ولم يؤخذ منه العشر لأنه إن كان صادقاً فهم أحرار ولا عشر في الأحرار وإن كان كاذباً فقد صاروا أحراراً بقوله لأن الحربي إذا أعتق عبداً كافراً في دار الإسلام يعتق بالإجماع لأنه ليس بدار قهر وإن مر الحربي بمال التجارة وقال‏:‏ لا أريد به التجارة أو قال هو مال صبي فإن العاشر يعشره لأنهم لا يصدقوننا في ذلك فنحن لا نصدقهم بذلك وإن كانوا هم لا يأخذون من مثل هذا المال فلا نأخذ منهم أيضاً وإن كنا لا نعلم أنهم يأخذون أو لا يأخذون أخذنا منهم لأن الأصل هو الأخذ لأن النصاب كامل وإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان تاجر فعشره عاشر المسلمين ثم مر على عاشر آخر للمسلمين لم يعشره في تلك السنة حتى تمضي فإذا مضت تلك السنة عشرة مر أخرى لأنه ما دام يتردد في دار الإسلام فحكم ذلك الأمان باق ولم ينته حكم ذلك الخروج فصار كالذمي يتردد في دار الإسلام والذمي لا يعشره العاشر إلا مرة واحدة وإن مر عليه في تلك السنة مراراً فكذلك لا يؤخذ منه من الحرب يدل عليه ما روي أن رجلاً من الروم مر على عاشر عمر - رضي الله تعالى عنه - ومعه فرس قيمته عشرون ألفاً فطلب منه العشار أن يأخذه بثمانية عشر ألفاً فأبى فلم يأخذ الفرس وأخذ العشر ثم مر عليه راجعاً فأراد أن يأخذ العشر ثانياً فأبى فجاء متظلماً إلى عمر - رضي الله تعالى عنه - فوجده في المسجد فلم يدخل المسجد ووقف على بابه وقال هو الشيخ النصراني وأضافه إلى نفسه فقال عمر - رضي الله تعالى عنه - وأتى الشيخ الحنيفي فقص عليه القصة فقال عمر - رضي الله تعالى عنه - كفيت فظن النصراني أنه لم يلتفت إلى كلامه فرجع كالآيس فلما أتى العاشر سبقه كتاب عمر - رضي الله تعالى عنه - ألا يأخذ منه شيئاً فأخبره العاشر بالكتاب ولم يأخذ منه شيئاً فتعجب النصراني من عدل عمر - رضي الله تعالى عنه - فأسلم ولو مر على عاشر المسلمين فعشره ثم دخل من يومه أو من الغد دار الحرب ثم رجع بماله ذلك مستأمناً عشرة العاشر مرة أخرى لأنه لما دخل دار الحرب فقد انقطع حكم ذلك الأمان وانتهى حكم ذلك الخروج فإنما دخل بأمان جديد فصار كأنه دخل أول مرة أو نزل منزلة حربي آخر فلهذا يعشره في كل مرة فإن كان أولئك الحربيون الذين استأمنوا لا يعشرون المسلمين إذا دخلوا إليهم إلا مرة واحدة في السنة وإن دخل وخرج مراراً لم يعشروا إلا مرة واحدة لما قلنا‏:‏ إن الأمر بيننا وبينهم على المجازاة والمكافأة وإن خرج الحربي المستأمن إلى دار الإسلام بأمان ومعه خمر أو خنازير عشر الخمر لو لم يعشر الخنازير وأمره أن يعطي عشر الخمر دراهم يقوم قيمته ثم يعطيه قيمة العشر دراهم وإن لم يكن معه دراهم أمره أن يبيع من الخمر ما يعطيه قيمة العشر دراهم وهذا عندنا وقال زفر - رحمه الله تعالى -‏:‏ لا يعشر الخمر ولا الخنازير وذهب في ذلك إلى أن الخمر ليس بمال في حق المسلم والعاشر مسلم فصار كأنه مر عليه بما ليس بمال وكما إذا مر بخنزير ونزل الذمي في ذلك منزلة المسلم مر على العاشر تجمد ولأن الخمر والخنزير يجريان مجرى واحداً في حق المسلم ثم أجمعنا أنه لا يعشر الخنزير فكذلك لا يعشر الخمر والحجة لنا في ذلك ما روي أن عمر - رضي الله تعالى عنه - جميع عماله بالموسم وقال لهم‏:‏ ماذا تأخذون من أهل الذمة مما يمرون به عليكم من الخمر فقالوا‏:‏ نصف العشر فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -‏:‏ ولو هم بيعها وخذوا نصف العشر من أثمانها ولأن الخمر أقرب إلى المالية من الخنزير لأنه كان مالاً لنا في الابتداء حين كان عصيراً ويصير مالاً في الانتهاء وإذا كان كذلك كان حرمة الخمر أخف فجاز أن يؤخذ العشر من الخمر ولا يؤخذ من الخنزير ولأن العاشر إنما يأخذ قيمة الخمر والمسلمون يعرفون قيمة الخمر لأن كل واحد من المسلمين يمسكها الصالح منهم والطالح فأما الصالح فيمسكها للتخليل وأما الطالح للشرب فإن كان يعرف قيمتها فيؤخذ عشر قيمتها لقول المسلمين فأما الخنزير لا يمسكه أحد من المسلمين فلا يعرف المسلمون قيمتها وإنما يعرف الكفار وقول الكفار على المسلمين غير مقبول فلا يؤخذ بقولهم ولأن الخمر مثلى فكان ينبغي أن يؤخذ مثله إلا أن المسلم ممنوع عن تملك الخمر فإذا أخذ القيمة فقد أعرض عن الخمر فيجوز وأما الخنزير ليس من ذوات الأمثال فمثله قيمته فإذا أخذ القيمة صار كأنه أخذ العين والمسلم لا يحل له أن يتملك الخنزير ولا بدله ولأن الخمر مال فيما بين أهل الذمة وللإمام فيها حماية معتبرة لأن للمسلم عليها يداً معتبرة فصارت في يد الإمام وحمايته فأشبهت سائر الأموال فأما الخنزير فليس للإمام فيه حماية معتبرة لأن المسلم لا يثبت له يد معتبرة على الخنزير ألا ترى أن الخنزير لا تورث وإذا لم يكن للمسلم عليه يد معتبرة لم يثبت للإمام عليه يد معتبرة ولا يصير في حمايته فلا يؤخذ مه للعشر بغير حماية وإن كان أهل الحرب لا يعشرون أهل ذمتنا إبذا دخلوا عليهم بالخمر والخنازير لم نعشرهم فيما أدخلوا من ذلك لأن الخمر والخنزير ليس بمال لأحد من أهل دار الإسلام إلا لأهل الذمة فإذا لم يعشروا أهل ذمتنا من ذلك فقد عفوا عمن في دار الإسلام من هذا النوع من المال فنعفو عنهم أيضاً عشر هذا النوع إذ عشرهم عشر مجازاة فإن كانوا لا يعشرون المسلمين فيما دخلوا به من مال ويعشرون أهل الذمة عشرناهم كما يعشرون أهل الذمة وإن كانوا يعشرون المسلمين ولا يعشرون أهل الذمة عشرناهم أيضاً لأنهم لم يعفوا عن مال دون مال فإن كل مال يمر الواحد منا به على عاشرهم فإنهم يعشرون ذلك المال متى مر به أهل ديننا على عاشرهم إلا أنهم عفوا عن طائفة من أهل دار السلام دون الطائفة الأخرى وهم طائفة واحدة ولم يوجد منهم طائفة أخرى حتى لا نعشرهم مثل ما وجدوا منا فعشرناهم جميعاً حتى إذا وجدنا طائفتين ووجدوا منا طائفتين فعشروا إحدى الطائفتين دون الأخرى عشرنا أيضاً تلك الطائفة منهم دون الأخرى نحو أن عشروا رجالنا ولم يعشروا نساءنا فكذلك نحن نعشر رجالهم ولا نعشر نساءهم‏.‏

وكل ما يؤخذ من الحربي من العشر فإنه يوضع موضع الخراج للمقاتلة دون موضع الصدقات والمعنى في ذلك وهو أن الصدقة طهرة لصاحبها والكافر ليس من أهل الطهرة فيوضع عشره موضع مال الصدقة قال‏:‏ وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان ومعه مال يتجر به أو ليس معه مال فاتجر في دار الحرب فأصاب مالاً فحال عليه الحول في دار الحرب ثم أخرجه إلى دار الإسلام ومر على عاشر المسلمين لم يأخذ العشار شيئاً لأن العاشر إنما يجبي صدقة مال كان في حماية الإمام ورعايته حتى تكون الجباية بإذاء الحماية ألا ترى أنه يعشر الدراهم والدنانير التي يمر بها على العاشر لحاجتها إلى الحفظ والحماية ولا يعشرها من اتجر في مصره لاستغنائه عن حفظه وليس للإمام حماية ولا رعاية في دار الحرب فلا يعشر الأموال التي لا حماية ولا رعاية له فيها ألا ترى أنه لو كان في عسكر أهل البغي فحال الحول عل ماله ثم خرج إلى عسكر أهل العدل فإنه لا يؤاخذ بزكاة ما مضى لما أنه لما لم يكن ذلك المال في حماية الإمام ولا رعايته فلم يؤخذ منه فكذلك ها هنا ولأن الزكاة حق الله - تعالى - ففي موضع لا يجري فيه حكم إمام المسلمين فلا يأخذ الإمام بذلك كما لا يأخذ بسائر حقوق الله - تعالى - التي لزمه في دار الحرب نحو حد الزنا وحد السرقة وحد قطاع الطريق وحد الشرب إلا أن المسلم يؤمر بأن يؤدي زكاة ماله فيما بينه وبين ربه ولا يجبر وإن لم يؤد فهو آثم لأنه حال الحول على مال مسلم فيجب فيه الزكاة ومتى وجب يؤمر بالأداء كالصلاة والصوم وكالباغي إذا خرج إلى أهل العدل فإنه يفتي بأن يزكي ماله فيما مضى فكذلك ها هنا وما عرفت من الجواب في المستأمن في دار الحرب فهو جوابك في الأسير إذا اتجر فأصاب مالاً في دار الحرب وحال الحول على ماله ثم مر على عاشر المسلمين فإنه لا يعشر ولكنه يفتي بأن يؤدي زكاة ماله فيما بينه وبين ربه وكذلك الجواب الذي أسلم في دار الحرب وحال الحول على ماله في دار الحرب ثم أخرجه إلى دار الإسلام فإن العاشر لا يعشره إلا أنه إن علم في دار الحرب أن عليه زكاة ماله وحال الحول على ماله بعد العلم لزمه أن يؤدي زكاة ماله فيما بينه وبين ربه وإن لم يعلم أن عليه زكاة في ماله فإنه لا يلزمه أداء شيء من الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد العلم لأن الزكاة من الشرائع لا تلزم إلا بعد السماع ولم يبلغ الخطاب سمعه فلا شيء عليه ولو أن رجلاً من أهل الحرب أسلم وله مال كثير من أموال التجارة ومال السائمة فعلم أن الزكاة تجب في المال فمكث ستة أشهر في دار الحرب أو أقل أو أكثر ثم خرج بماله إلى دار الإسلام فحال عليه الحول وهو في دار الإسلام ثم مر على العاشر فإن العاشر يعشر ماله والمصدق يأخذ صدقة سوائمه لأن الحول انعقد على ماله في دار الحرب فإن الزكاة تجب عليه في ماله في دار الحرب ألا ترى أنه يؤمر بالأداء ويصير آثماً إذا لم يؤد فحسب الوجوب قد وجد في دار الحرب والوجوب وجد في دار الإسلام والعبرة بحال الوجوب وفي حال الوجوب المال في حماية الإمام ورعايته في موضع يجري حكم إمام المسلمين فيه فيأخذ منه العشر ألا ترى أن الحول إذا انعقد على النصاب ثم انتقص ثم تم في آخر الحول فإنه تجب الزكاة واعتبر فيه حال تمام الحول التي هي حال الوجوب ولم يعتبر النقصان الذي كان في أثناء الحول فكذلك لا يعتبر كينونة المال في دار الحرب في أثناء الحول ويعتبر حال تمام الحول وهكذا الجواب في الأسير أو المستأمن إذا خرج بماله إلى دار الإسلام وتم الحول عليه في دار الإسلام فإنه يؤخذ منه زكاة ذلك الحول ولو أن رجلاً مسلماً أو ذمياً مر على عاشر المسلمين بماله من دراهم أو دنانير يريد أن يدخل به أرض الحرب للتجارة فقال للعاشر‏:‏ إنما أصبته منذ أشهر ولم يحل عليه الحول صدقه على ذلك ولم يأخذ منه عشراً لأنه أنكر وجوب الحق في ماله فكان القول قوله فإن دخل دار الحرب فاشترى به وباع حتى تم الحول على ملكه وهو في دار الحرب ثم خرج به إلى دار الإسلام فمر به على العاشر فإنه لا يأخذ منه العشر لما مضى لأن الحول حال والمال في دار الحرب ووقت الوجوب وقت تمام الحول فإذا لم يكن المال وقت الوجوب في موضع يجري فيه حكم المسلمين لا يأخذه الإمام وإن كان أقام في دار الحرب تمام الحول منذ ملكه في دار الإسلام إلا يوماً أو يومين ثم خرج إلى دار الإسلام فتم الحول في دار الإسلام ثم مر به على العاشر عشره لأن المال وقت وجوب الحق في حماية الإمام وفي موضع يجري فيه حكم إمام المسلمين فكان له حق الأخذ ولو أن حربياً مستأمناً في دار الإسلام أو ذمياً أو مسلماً مر على عاشر بمال فكتمه إياه وقد حال الحول الأول ثم مر به على العاشر أيضاً فكتمه إياه وقد حال الحول الثاني ثم مر به على العاشر بعدما حال الحول الثالث فعلم به العاشر وعلم بما كان صنع قال‏:‏ بتلك الأحوال فإن العاشر يعشر الأموال في الأحوال الثلاثة كلها لأنه يثبت حق الأخذ للعاشر في كل مرة لأن الزكاة وجبت في المال في دار الإسلام والحق متى ثبت لا يبطل بالتأخير ولا بالكتمان فإن كان الحرب يدخل في هذه الأحوال الثلاثة في كل مرة في دار الحرب قبل أن يعشره ثم يخرج فليس ينبغي للعاشر أن يعشره إلا بهذه المرة الأخيرة لهذا الحول الثالث لأنه لما دخل دار الحرب في كل مرة فقد بطلت عنه أحكام المسلمين وارتفع ذلك الأمان وصار كحربي آخر حين خرج في المرة الثانية والثالثة ألا ترى أن العاشر لو عشره ثم دخل دار الحرب ثم خرج من يومه ذلك ومر على العاشر فإنه يعشره ثانياً فكما أبطل دخوله دار الحرب العشر الذي كان له عند المسلمين وصار في الحكم كحربي آخر خرج فكذلك يبطل دخوله دار الحرب ما كان للمسلمين عنده ويصير كحربي آخر خرج في كل مرة ولو أن الحربي والمستأمن والمسلم والذمي مكثوا يتجرون في دار الإسلام ثلاثة أحوال لا يمرون علي عاشر المسلمين ثم مروا على عاشر المسلمين بعد الحول الثالث فأخبروه أنهم لم يعشروا منذ ثلاثة أحوال وأخبر المسلم أنه لم يؤد زكاة ماله منذ ثلاثة أحوال فإن العاشر يأخذ منه زكاة هذا الحول الثالث ولا يأخذ منه زكاة الحولين الماضيين وذلك لأن العاشر إنما يعشر المال الذي في دار الإسلام إذا كان في حمايته في الحول الثالث لا في الحولين الماضيين فلهذا لا يأخذ لما مضى من الحولين بخلاف ما إذا حال الحول والمال في دار الحرب ووقت الأخذ باق ما لم يجب الحق في المال ثانياً فقد مضى وقت أخذ الواجب الأول وجاء وقت أخذ الواجب الثاني فمتى مر عليه بعدما حال الحول الأول قبل أن يتم الحول الثاني فوقت الأخذ باق فعشره ومتى تم الحول والمال في دار الحرب فإن العاشر لا يعشر هذا المال وإن مر به صاحبه عليه قبل أن يتم الحول الثاني لأن الحول حال هناك والمال في موضع ليس يجري فيه حكم إمام المسلمين فلم يثبت له حق الأخذ أبداً وأما المال الذي في دار الإسلام فإنه في موضع يجري فيه حكم الإمام فله حق أن يعشره متى مر به صاحبه قبل أن يمضي وقت الوجوب للحول الثاني فأما السائمة من الصدقات فليس على الحربي ولا على الذمي فيها صدقة لأن الصدقة عبادة فلا تجب على الكافر فأما سائمة المسلم إذا لم يأخذ صدقتها سنين ثم اطلع على ذلك أخذت منه زكاتها للسنين الماضية لأن أخذها إلى السلطان لما كان فيها من الحماية فيأخذ زكاة ما مضى وهذا بخلاف العاشر فإنه لا يأخذ العشر إلا للحول الآخر لأن العاشر إنما يأخذ من المال الذي يمر به عليه صاحبه والمرور عليه بالمال لم يؤخذ إلا في السنة الرابعة فلا يأخذ إلا للسنة الثالثة وأما المصدق ليس يأخذ الصدقات لحق المرور عليه بل في سائمة كل إنسان فيأخذ منها الصدقة فإنما يأخذ الصدقة باعتبار حولان الحول على السائمة وقد حال على السائمة ثلاثة أحوال فيأخذ صدقة كل حول فإن قال المسلم صاحب السائمة‏:‏ قد أديت صدقتها إلى المساكين لهذه السنين لم يلتفت إلى قوله ويؤخذ منه الصدقة لثلاث سنين وهذا عندنا وقال الشافعي - رحمه الله تعالى -‏:‏ لا يأخذ واحتج وقال‏:‏ إن الصدقة حق الفقراء فلما دفعها إلى الفقراء فقد أوصل الحق إلى مستحقه فيبدأ كما لو دفع زكاة التجارة إلى الفقراء إلا أنا نقول إن حق الأخذ إلى المصدق فلا يبرأ بالدفع إلى الفقراء كالغريم إذا دفع الدين لا يبرأ لما أن حق الأخذ للوصي كذا هنا فإن كان الإمام لم يبعث إليهم مصدقاً في تلك السنين بأن شغل عن ذلك لحرب أو غيرها فأدوها لما مضى وقالوا‏:‏ قد أديناها حيث لم يبعث إلينا مصدقاً فالقول قولهم ولا صدقة عليهم في ذلك لأن الإمام إذا لم يبعث إليهم مصدقاً في تلك السنين فلم يوجد الطلب من الإمام فلم يجب عليهم الدفع إلى الإمام فإذا أدى بنفسه يبرأ كزكاة المال إذا أداها المالك قال‏:‏ والحربي والمستأمن والذمي والمسلم إذا مروا بعاشر من عاشر المسلمين فقالوا‏:‏ قد عشرنا غيرك في هذه السنة وجاءوا بالبراءة وحلفوا له على ذلك إن تهمهم فليس ينبغي أن يأخذ منهم شيئاً لأن الزكاة حق الله - تعالى - أمانة عند المالك والأمين متى أخبر بأداء الأمانة صدق ثم هذا في المسلم والذمي ظاهر لأنهما لو قالا‏:‏ علينا دين يصدقان وأما الحربي لو قال‏:‏ علي دين لا يصدق وإذا قال‏:‏ عشرني عاشر غيرك صدق لأنه تأيد قوله ها هنا بالبراءة فجاز أن يصدق فأما في مسألة الدين لم ينضم إلى قولهم ما يصدقه فجاز ألا يصدق والدليل على ذلك حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - حيث أتاه ذلك الشيخ النصراني وقال‏:‏ إن عمالك عشروني في السنة مرتين قال‏:‏ - رضي الله تعالى عنه - إلى عماله لا تعشروا في السنة إلا مرة أليس عمر - رضي الله تعالى عنه - قد صدقه في ذلك حيث كتب إلى عماله ألا تعشروا إلا مرة وإذا كان للرجل المسلم أو الذمي مال للتجارة فحال عليه حول في دار الإسلام ثم أدخله دار الحرب بأمان فاتجر فيه حولاً آخر ثم أخرجه من دار الحرب فمر به على عاشر المسلمين لم يعشره للسنة الأولى ولا للسنة الثانية أما السنة الأولى فلأنه لم يمر بماله في وقت الأخذ فلا يأخذ وأما السنة الثانية فلأن الحول قد حال على المال والمال في دار الحرب وقد ذكرنا أن العاشر لا يعشر المال الذي قد حال عليه الحول في دار الحرب فإن مر به بعد الحول الأول على العاشر في دار الإسلام فكتمه المال ثم أدخله دار الحرب فمكث حولاً في دار الحرب ثم أخرجه فمر به على عاشره وأخبره خبره فإنه يعشر للحول الأول ولا يعشر للحول الثاني أما ما يعشره للسنة الأولى فلأنه قد مر بعد وجوب الحق بالتأخير ووجوب الحق لا يفوت بالتأخير وأما الحول الثاني حال والمال في دار الحرب فلا يعشره وكذلك سائمة الرجل المسلم إذا أدخلها دار الحرب بعدما حال عليها الحول أما للحول الأول فلأنه قد مر بعد وجوب الحق في المال ووقت الأخذ باق فثبت له حق الأخذ فلا يسقط ذلك الحق بالتأخير ولم يؤد زكاتها لحال عليها الحول الآخر في دار الحرب ثم أخرجها إلى دار الإسلام فإن المصدق يصدقها للسنة الأولى لأن حق الأخذ يثبت للمصدق باعتبار حولان الحل في دار الإسلام لا بحق المرور عليه فقد حال الحول الأول على المال في دار الإسلام فثبت له حق أخذ صدقة تلك السنة ولا يأخذ للسن الثانية شيئاً لأنه حال والمال في دار الحرب فلا يجب له حق الأخذ ولو أن حربياً مستأمناً في دار الإسلام حال الحول على ماله أو حولان في دار الإسلام فمر بعاشر المسلمين ومعه مال فكتمه ذلك ثم إن العاشر ظفر به وأخرجه فإنه يعشره لما مضى فإن لم يضفر به العاشر حتى دخل دار الحرب ثم خرج فأخبره ومعه ماله ذلك بطل كل عشر كان وجب عليه لما مضى من السنين وعشره لخروجه من دار الحرب هذه المرة وأبطل عنه ما مضى لأنه حين دخل دار الحرب بطلت عنه أحكام المسلمين وحق الأخذ للإمام بالحكم فإذا لم يكن للمسلمين عليه حكم لم يكن للإمام حق الأخذ ولو كان وجب ذلك عليه فلم يدخل دار الحرب التي هو من أهلها ولكنه دخل دار حرب أخرى من دار الإسلام بأمان ليتجر فيها فإن كان استأمن المسلمين حين دخل أرض الإسلام ولم يذكر لهم دخول تلك الأراض فإنه يبطل ما كان وجب عليه من العشور لأنه دخل داراً لا يجري فيها حكم المسلمين فصار كما لو دخل دار نفسه ثم خرج ولو كان كذلك بطل عنه ما وجب من العشور فكذلك ها هنا ولو كان استأمن لينفذ إلى تلك الدار ويرجع إليهم فآمنوه على ذلك فهذا أيضاً والأول سواء ويبطل عنه كل عشر وجب عليه وهكذا لو استأمن على أن ينفذ إلى تلك الدار ويكون آمناً فيها من المسلمين ثم يخرج إلى دار الإسلام آمناً حتى يرجع إلى داره فآمنوه على ذلك فدخل إليهم بعد ما وجب عليه العشور ثم خرج لأنه لا يعشر لما مضى ويعشره المسلمون إذا خرج من تلك الدار إلى دار الإسلام لأن حكم المسلمين غير جار في دار الحرب التي خرج المستأمن إليها وإن كان هو آمناً من المسلمين فخروجه إلى موضع لا يجري فيه أحكام المسلمين يبطل اعتبار ما وجب عليه ويبطل أيضاً اعتبار ما أخذ منه حتى ولو عشره المسلمون حين خرج من داره إلى دار الإسلام فمكث أياماً ثم دخل تلك الدار الأخرى ثم خرج منها وبين ذلك أيام عشره العاشر مرة أخرى لأنه حين دخل تلك الدار خرج من أحكام المسلمين فإذا رجع أخذ منه العشر وصار سبيله سبيل دار الموادعة إذا خرج واحد منهم إلى دار الإسلام بتلك الموادعة فيعشره العاشر ثم خرج في تلك السنة إلى دار الإسلام بتلك الموادعة فإن العاشر يعشر ماله ثانياً لما أنه لما عاد إلى داره فقد خرج عن حكم المسلمين وإن كان هو آمناً في تلك الدار فأبطل اعتبار ما أخذ منه فكذلك ها هنا ولو أن أهل الحرب وادعوا المسلمين على أن يؤدوا إلى المسلمين كل سنة خراجاً معلوماً على ألا يجري المسلمون أحكامهم ولا يكونوا ذمة لهم ثم إن رجلاً منهم خرج إلى دار الإسلام بأموال كثيرة على تلك الموادعة فهو آمن ويؤخذ منه عشر ما أمر به كاملاً لأنه حربي على حاله إلا أنه آمن ولم يصر ذمياً لأن حكم المسلمين غير جار عليهم فصار كما لو خرج من غير دار الموادعة بأمان فيؤخذ منه العشر ولو وجب عليه عشور في دار الإسلام ثم دخل دار الموادعة ثم خرج فإنه لا يعشره العاشر لما مضى لما بينا أن هذه الدار والدار التي لا موادعة بينها وبين المسلمين سواء ودخول المسلم والذمي دار الموادعة بمنزلة دخولهما دار الحرب ليس بين أهلها وبين المسلمين موادعة سواء لأنه لم تصر دار الإسلام بتلك الموادعة لعدم جريان حكم الإسلام والله الموفق‏.‏